نشر بتاريخ: 2021/08/03 ( آخر تحديث: 2021/08/03 الساعة: 13:47 )
جمال زقوت

راديو الشباب  

مما لا شكّ فيه أن ما أقدم عليه الرئيس التونسي يمكن اعتباره مسًا خطيرًا بالديمقراطية التي جاءت بمجلس النواب، تمامًا كما جاءت بالرئيس نفسه الذي أقدم ضمن إجراءات أخرى على تجميد عمل هذا البرلمان. ويبقى السؤال المطروح حول حالة الديمقراطية بعد الربيع العربي، هو تساؤل العديد من قصيري النظر أو أصحاب الرؤية الدونية لمكانة الشعوب العربية في حاضر ومستقبل الديمقراطية، والذين يتجرأون على القول بأن الديمقراطية كممارسة لما أنتجته تجارب الشعوب في إدارة تطوير حياتها ليست صالحة لشعوب المنطقة العربية! نعم، إنها الدونية والتي لا يُرَد عليها سوى بأن الارتدادات السلبية للديمقراطية لا يمكن علاجها سوى بمزيد من هذه الديمقراطية؛ فالديمقراطية تظل في كل الأحوال ومع كل عيوبها أقل أنظمة الحكم سوءًا. بهذا المعنى فإن القرارات التي أقدم عليها الرئيس قيس سعيّد، ومهما كانت مبرراتها، يجب أن تثير الكثير من القلق إزاء إمكانية انحراف الحالة التونسية نحو نظام حكم الفرد، والذي قد ينزلق بسهولة الى نظام ديكتاتوري، حتى لو تم ذلك بمساندة شعبية.

من الناحية الأخرى فإن جوهر الديمقراطية، سيّما في جانبها الاجتماعي، يستهدف معالجة ظواهر الاحتكار وسيطرة فئات اجتماعية ضيقة على موارد البلاد وسوء توزيع هذه الموارد؛ الأمر يُفضى في كثير من الأحيان إلى اتّساع وتعمّق ظواهر الفساد والفقر والجهل والمرض وما تولّده هذه الظواهر من تغييبٍ للعدالة الاجتماعية التي تُشكّل السبب الرئيسي لظاهرتيّ التطرف والإرهاب.

إذا سلّمنا بادعاء عدم جدوى الديمقراطية في معالجة واقع المجتمعات العربية المتخلفة اقتصادياً ومدى حاجتها للتنمية، وهذا بحد ذاته يستدعي ثورة اجتماعية ديمقراطية، نكون في الواقع نُمهّد الطريق لتأسيس النظام الشمولي وحُكم الفرد، والذي لا يمكن في نهاية المطاف أن يحقق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، سيّما في ظل تغييب المساءلة وإحكام السيطرة على الثروة.

صحيح أن الشعب التونسي قد سئِم الأحزاب التي شكّلت حاضنة الفساد في تونس، بما فيها حزب النهضة نفسه، بعد أن راهنت عليه فئات واسعة في البلاد لإنقاذها من تُخمة الفاسدين في مرحلة ما قبل الثورة، إلا أنه وغيره من الأحزاب والقوى السياسية لم يكونوا أفضل حالًا من القوى السياسية والاجتماعية التي سبق أن هيمنت على السلطة وثروات البلاد قبل الثورة، ويبدو أن هذا الانسداد السياسي شكّل الركيزة الجوهرية التي أمدَّت قرارات الرئيس بالشعبية والحياة، مع أن ذلك لوحده لم ولن يكون كافيًا.

من الواضح تمامًا أن الرئيس التونسي ومستشاريه المقربين التقطوا نقطة تقاطع لحظة الانهيار الصحي والاقتصادي وغياب الشعور بالأمن والأمان على الصعيد الداخلي، مع لحظة التغيير الاستراتيجية في سياسة الولايات المتحدة إزاء الإسلام السياسي، والتي يبدو أنها بدأت تتضح تدريجيًا في عهد إدارة (بايدن)، وتحاول التمايز عن رؤية (أوباما) التي كانت قد فتحت فرصًا وآفاقًا إزاء ما كان يُسمى بالإسلام المعتدل، بل وراهنت على التغيير في المنطقة عبر قاطرته، إلى أن جاءت إدارة (بايدن) الديمقراطية، كما يبدو، بتوجهات مختلفة، مستفيدة بالتأكيد من فشل تلك الرؤية ونتائجها الوخيمة على المنطقة.

في توازن العلاقة بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية سيختار الناس ما يخفف من أوجاعهم، والتي لن تشفى تمامًا دون الوصول لنظام سياسي ديمقراطي قادر على إعادة بناء علاقات المجتمع وتوزيع موارده في إطار من المساءلة والشفافية التي تضمن تحقيق العدالة بكل أركانها.

إن دروس الحالة التونسية تؤشر بكل صراحة أن استخدام “بعبع انقلاب حماس” لاستمرار الانقضاض على الديمقراطية البرلمانية، بما في ذلك إلغاء الانتخابات لأجلٍ غير مسمى، لم يُفضي حتى الآن سوى إلى تكريس سلطة الفرد التي تجاوزت سلطة الحزب الواحد، وأصبحت مثقلة بالعديد من مظاهر الدكتاتورية، بما فيها تفكيك المؤسسات المنقسمة بفعل الانقسام واحتكار السلطة على ضفتيه، سيّما سلطة القضاء وما ولّده ذلك من مَسٍّ خطير بالعدالة والحريات العامة ومصادر الرزق ذاتها، والتي تتناقض بمجملها مع استراتيجية تنمية القدرة على الصمود في مواجهة مخططات الاحتلال عبر مقولتيّ “بدكو وطن أكثر ولّا مصاري أكثر؟!” و”الجوع ولا الركوع!”، واللتان تُظهران مدى عمق أزمة فشل إدارة الحكم، ناهيك عن غياب فلسفة لهذا الحكم في ظروف تداخل البناء الديمقراطي مع مهمات إنهاء الاحتلال وما تواجهه متطلبات صمود الناس وصوْن كرامتها من مخاطر حقيقية.

من ناحية أخرى، فإنّ على حماس أن تدرك جيدًا أن من يراهن بمستقبل حكمه على استراتيجية (اسرائيل والولايات المتحدة) إزاء مستقبل حكم الحركة، سواء لجهة مصلحة اسرائيل بإدامة الانقسام، وما يتطلبه إبقاء حكم حماس لغزة، أو تمكينها وترويضها لحين قبولها بما لم تستطع سلطة فتح قبوله حتى الآن، وإن لم تواجهه فعلياً؛ فهذا الموقف قد يتبدل في أي لحظة سيّما في ظل التغيير في رؤية واستراتيجية الولايات المتحدة. فصحيح أن إدارة (بايدن) قد لا تُعارض مشاركة حماس في الحكم، ولكن التجربة التونسية تقول أنها بالقطع لن تُسَّلِم للإسلام السياسي الانفراد به.

ذلك كله يُملي على القوى الحية والناهضة في الشعب الفلسطيني أن تستخلص مجددًا دروس كارثة الانقسام والأزمة الوطنية الناجمة عنه منذ خمسة عشر عامًا، وما واكبها من تقويضٍ لمكانة القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا الوطنية، بضرورة الحذر من الاستقطاب حول ما يجرى في تونس، بقدر ما يستدعي تَعلّم دروس هذه التجربة واستخلاص العبر منها، وذلك بعدم الانجرار نحو احتكار السلطة من خلال الديمقراطية دون الأخذ بالاعتبار تعقيدات الحالة الاجتماعية في تونس ومدى تطورها وخطورة النكوص عن منجزاتها البورقيبية، كذلك متطلبات الوحدة وتنمية القدرة على الصمود في الحالة الوطنية لتعزيز ركائز مواجهة الاحتلال في فلسطين، هذا من ناحية، والتغول في استثمار خطايا قوى الإسلام السياسي للانقضاض على الديمقراطية برمّتها، حتى لو تم التضحية بوحدة الوطن، وبالتالي قدرته على التحرر من الناحية الأخرى. فكلا النهجين لن يقودا سوى إلى مزيدٍ من التدمير الذاتي، وهذا ما يستدعي الحذر وحشد القوى الحيّة لمواجهته ومنع الانزلاق نحوه. هذا ما يمكن اعتباره قراءة أوليّة في الحالة التونسية، والنصيحة التي يمكن من خلال تجربتنا المؤلمة أن نقدّمها للأشقاء في تونس. هنا يقع على عاتق القوى الاجتماعية والنقابية، بمن فيها الاتحاد التونسي للشغل ومؤسسات المجتمع المدني، والتي انحازت ولو ضمنيًا لصالح مكافحة الفساد والتكلّس، أن تشكل الضامن الفعلي لاستعادة وصَوْن المسار الديمقراطي. لأنه في كل الأحوال فإن احتمال الانزلاق نحو الديكتاتورية ليس أقل خطرًا من الأصولية الإسلامية، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، سيّما اذا استفرد أيّ منهما بالحكم.